علي الهجويري

140

كشف المحجوب

كان تلميذا لأبى حنيفة ، ومعاصرا للفضيل ، وإبراهيم بن أدهم . وكان مريدا لحبيب الراعي في التصوف ، وملما بجميع العلوم ، سابقا في فن الفقه ، ولكنه ذهب إلى العزلة ، والتفت عن الشهرة ، واتبع طريق الزهد والتقوى . يروى أنه قال لأحد تلاميذته : « إذا أردت السلامة فسلم على الدنيا ، وإذا أردت الكرامة فكبر على الآخرة » . فكلا هذين المكانين حجاب يحجبانك عن النظر إلى اللّه . وكل أنواع التخلي مبنية على هذين الحكمين ، فمن كان يحب أن يتخلى فليعط ظهره للدنيا ، ومن أحب أن يفرغ قلبه للّه فليخلص من كل رغبة في الدار الآخرة . ومن المشهور أن داود كان يحب أن يجتمع دائما بمحمد بن الحسن ، وكان لا يحب القاضي أبا يوسف ، ولما سئل عن ذاك أجاب : إن محمد بن الحسن تصوف بعد أن صار غنيا ، وتصوفه كان السبب في تقدمه في الدين والزهد في الدنيا ، أما أبو يوسف فقد تصوف بعد أن افتقر وأعسر ، وجعل التصوف وسيلة لنيل الثروة والشهرة . يروى أن معروف الكرخي قال : « لم أر أحدا احتقر الدنيا ، واستصغر متاعها ، كما استصغر داود الطائي ؛ فالدنيا وأهلها لا تساوى في نظرة جناح بعوضة وكان يحترم الفقراء ويجلهم وإن كانوا فاسدين » . 15 - ومنهم شيخ أهل الحقائق ، المنقطع عن جملة العلائق ، أبو الحسن سرى بن المغلس السقطي كان خال الجنيد رضى اللّه عنه ، وكان متبحرا في جميع العلوم ، ذا شأن عظيم في التصوف . وهو أول من أوقف نفسه على ترتيب المقامات وبسط الأحوال . وشيوخ العراق كلهم تلاميذه . وقد رأى حبيبا الراعي ، واجتمع به . وكان مريدا لمعروف الكرخي ، وكان يتجر بالسلع الصغيرة في سوق بغداد فلما احترق السوق قيل له : « إن حانوتك قد احترق » فقال : « إذا فقد تخلصت من ( 1 ) طبقات الصوفية للسلمى ص 51 .